دور الأحزاب في تشكيل المشهد السياسي الليبي منذ قيام فبراير
دور الأحزاب في تشكيل المشهد السياسي الليبي منذ قيام فبراير
6 قراءة دقيقة
02 Feb
02Feb
من خلال تتبع مراحل الانتقال التي مرت بها ليبيا إبّان الأحداث منذ عام 2011م، والتي أدت إلى حقبة تقلبات سياسية أفرزت العديد من المشاكل، وصعوبة في ثبات النظام السياسي الموحد؛ ظهرت مجموعات وتكتلات تدعي السعي للاستقرار الأمني والتداول السلمي للسلطة، والحث على إيجاد تنظيم سياسي للحكم بطرق قانونية وأساليب ديمقراطية، كما هو متبع في دول العالم.
ورأينا خلال تلك الفترة، وبعد الإعلان عن الانتخابات، ظهور مجموعات تدعو إلى إنشاء أحزاب وتطالب بحقها في الاندماج بالعملية الانتخابية والوصول للسلطة عبر الاقتراع العام. هذه الأحزاب تقوم على أنظمة معينة ولها أهداف وأيديولوجيات تسعى لتحقيقها، وأهمها وصول ممثليها إلى سدة الحكم عبر المطالبة بإجراء انتخابات برلمانية. وهذا كله راجع إلى نظام مصالحها الخاصة وأهدافها الأيديولوجية، وليس كما تدعي لتحقيق الديمقراطية المباشرة التي يتطلع إليها الشعب. وما إن أقيمت تلك الانتخابات، حتى ظهرت مسميات عديدة لأحزاب لكل منها شعار واسم، ومولت من ميزانية الدولة؛ وكان ذلك بداية ظهورها الرسمي الذي سمح لها بدخول انتخابات عام 2012م.
كما أشير إلى أن الأحزاب السياسية ليست مصطلحاً حديث النشأة في ليبيا، وإنما ظهرت في أحقاب سياسية سابقة، حيث أُنشئت حركات سياسية في شرق البلاد وغربها (كالحركة السنوسية)، وصولاً إلى مسميات مختلفة منذ عام 1969م.
ومما يثير الجدل هو ظهور الأحزاب في ليبيا قبل صدور الدستور (الذي لم يرَ النور بعد)؛ مما يطرح تساؤلات: مَن هي السلطة التي يمكنها محاسبة الحزب قضائياً ودستورياً إذا ارتكب خطأً أو تبنى شعارات مناهضة للدولة؟ ومن يمثل هذه الأحزاب؟ وما مصدر تمويلها؟ وهل هو تمويل محلي أم خارجي؟
والجدير بالذكر أننا لم نلحظ أي تحرك ينظم العملية السياسية من قبل هذه الأحزاب على الساحة الليبية، أو قيامها بدور الوسيط لفض المنازعات المسلحة، أو مساعدة المفوضية العليا للانتخابات لضمان نجاح العملية الانتخابية؛ بل اكتفت بالترويج لنفسها عبر القنوات الإعلامية والدعايات، دون أن يكون لها موقف وطني حازم في إدارة البلاد وحل نزاعاتها، أو العمل كوسيط بين الحكومات لضمان التحول السياسي الرشيد وبناء الوطن، وحماية الشعب الذي يحلم بنظام حكم موحد تحت دستور وتشريع حقيقي أسوة بالدول الأخرى.
فهناك أحزاب تدعي السياسة، ولكن تأسيسها يظهر تحت وطأة الميليشيات المدججة بالسلاح، وهي لا تفقه القانون ولا العمل السياسي المنظم؛ وكما هو واضح الآن في ليبيا، ورغم أحداث السنوات الماضية، لا تزال الحكومات متناحرة على السلطة، ولا يوجد للأحزاب دور حقيقي في المشهد الحالي، فهي تعمل في "الخفاء" ولم نعد نرى لها اجتماعات ظاهرة تتحدث عن تطلعاتها أو تنجز عملاً يُحسب لها في الشأن الليبي.
وفي حقيقة الأمر، فإن حال التشريع في ليبيا كان ولا يزال يمر بضعف سياسي؛ لعدم وجود سلطة تشريعية تراقب أعمال الحكومة عن كثب؛ وبالتالي فإن زمام الأمور لا تمتلكه سلطة التشريع، وإنما يسير وفقاً لرغبات شخصية تبحث عن مصالحها سواء عن طريق الأحزاب أو المنظمات بمسمياتها المختلفة.وبعد مرور عام تقريباً على الأحداث، أصدر المجلس الوطني الانتقالي القانون رقم (29) لعام 2012م لتنظيم الأحزاب السياسية والجمعيات وفقاً لنصوص تحدد شروط تكوينها. ومن هنا، ومن خلال رؤية تحليلية قانونية، يتضح وجود قصور جلي في نصوص هذا القانون.
فالمادة الثانية تسمح بتكوين الأحزاب، في حين لم نرَ إشهاراً علنياً عبر وسائل الإعلام الرسمية، وإنما عبر الوسائل الإلكترونية ورفع شعارات لا تمت للمصلحة الوطنية بصلة، ولا تهدف للمشاركة المجتمعية كما هو منصوص عليه، بل لتحقيق أغراض فئوية.
وجاءت المادة الثالثة لتؤكد أن تأسيس الحزب حق مكفول للجميع، وهذا لم يتحقق واقعياً؛ ويرجع غيابه لعدة أسباب منها: غياب الثقافة السياسية، ورفض الانخراط فيها بسبب وجود شخصيات تخدم أجندات خارجية.
أما المادة الرابعة، ف توضح عدم وجود إسهامات حقيقية من الكيانات الحزبية في خدمة الوطن رغم اشتراك الدولة في تمويلها.
وفي المادة الخامسة التي حددت شروط العضوية، كان من الأجدر حصر الانضمام لحاملي الجنسية الليبية فقط ومنع "متعددي الجنسيات" من ممارسة العمل الحزبي.
وفي المادة السابعة التي بينت كيفية التأسيس، نجد أن بعض الأحزاب خالفت القانون ولم تُحاسب.
أما المادة الثامنة التي نصت على عدد المؤسسين، فلا يوجد حزب أفصح عن عدد أعضائه أو صفاتهم بشكل علني، كما لا توجد شفافية بشأن منابع التمويل والرقابة المحاسبية؛ حيث يتم تمويل بعضها من الخارج.
أما المادة (31-32) فكان لابد من إيضاح أسباب وقف الحزب، سواء لارتكاب جرائم تمس الدولة أو مخالفتها لأحكام القانون.
وفي الختام، فإن الأحزاب في ليبيا تعمل في صمت، وعلى غرار ذلك أراها "كالأرض الصماء" التي مهما سُقيت لا تثمر؛ فهي رغم تمويلها من الدولة لم تتحرك نحو بناء الوطن أو سد ثغرات التدخل الأجنبي، بل أصبحت عائقاً أمام التحول الديمقراطي بعدما خرجت عن مسارها الحقيقي الذي وُجدت من أجله."