هذا العنوان يعطي جوهرية فقهية للقانون كما يبرز بوضوح المواءمة بين نص قديم المتمثل باللائحة والنص الحديث القائم علي القانون المتعلق بالمعاملات الإلكترونية, يحاول المشرع الليبي مواكبة الثورة المعلوماتية التي أحدثت تطوراً رقميا هائلاً في الأعوام الأخيرة وأدخلت علي جميع المؤسسات بما فيها الدوائر القضائية , لاسيما المعاملات الإدارية في حال إبرام العقود بالطريقة الالكترونية, وهذا ما أحالت إليه الدول مؤخراً, وأصبح التحول الرقمي مهماً سعت من خلاله إلي إصدار قوانين تنظمه وفق التعاقدات الالكترونية, وان كان هذا التحول ليس حديث النشأة, ولكن بعد محاولات عديدة أدخلته الدول علي منظوماتها مع الاحتفاظ بخصوصية البيانات السيادية المتعلقة بالأمن القومي للدولة, ومن هذا المنطلق حاول المشرع الليبي كغيره بعد جهود حثيثة ومطالبات تنادت بإنشاء جسم تشريعي قانوني فيما يخص هذا التطور كغيره من الدول للالتحاق بالثورة الرقمية قامت بإصدار قانون بمرسوم يحمل رقم 6 لسنة 2022م بشأن تنظيم المعاملات الالكترونية, لا انه يأخذ علي المشرع عند إصدار القانون عدم التوافق بين النظام القانوني للمعاملات حديث النشأة وبين اللائحة التنفيذية التقليدية للعقود الإدارية الصادرة بمرسوم 563 لسنة2007م التي يتم التعامل معها بشكل يدوي واستخدام الإدخال البشري, فكان الأجدر بالمشرع الليبي بتعديل للائحة التنفيذية وتكييفها بما يتماشي مع القانون المنظم للمعاملات عند صدوره حتى يكون ركيزة مرجعية لا يمكن التهاون بها خاصة بالعقود الإدارية من قبل المؤسسات الحكومية طبقاً لطبيعة القانونية الصارمة التي يحكمها نظام المعاملات, وفي ضوء نصوص ومواد محددة بما فيها من فقرات داخلية فهذه المواد وضعت تفسيراً للمادة عبر نقاط توجيهية, وفي المقابل يتوجب أن تكون اللائحة بعد تعديل صياغتها مكملة لما ورد في النصوص القانونية لنظام المعاملات الالكترونية, وتفسير الغموض الذي قد يشوب بعض المواد القانونية, لكي يسهل علي الإطراف المتعاقدة, وفقاً لما يمليه المنطق القانوني السليم أن اللائحة تأتي لإتمام أي قصور قد اغفل عنه المشرع أثناء إصدار القانون, وفي هذا السياق ومن المتعارف عليه قانونيا أن اللوائح تأتي لإتمام أي قصور تشريعي أثناء إعداد النصوص القانونية وفقراتها بالطريقة الالكترونية, ومعرفة أبرام العقد وتكييفه وفق النصوص الرقمية المعدة لذلك- لكي يمنع من الغلط أو التدليس أثناء توفر النية في انعقاد العقد, ويترتب عليه القبول والإيجاب حين تتوفر أرادة الإطراف أي كان نوع العقد, وتوفر حجية الإثبات ومحررات الالكترونية للعقد المتفق علي اكتماله متى توفرت ووجدت شروطه وخضوعه للمبادئ العامة منها مبدأ المساواة القائم علي العدالة الالكترونية متمثلة في الدوائر القضائية- إلي جانب التوثيق الالكتروني بعد التصديق والتوقيع الالكتروني بشكل رسمي قد يكون هناك اتفاق بين الإدارة والطرف الأخر, مع اختيار الإدارة وكيل أو نائب يسمي الوكيل الذكي يحل محل الإدارة خلال مرحلة التعاقد هنا المسؤولية القانونية تقع علي عاتق الإدارة بشكل كامل مما يخلي الطرف الأخر من المسؤولية عند وقوع أي خطا لان الخوارزميات تقوم علي برمجة بيانات قد تحمل الصواب والخطأ في آن واحد, وتجدر الإشارة وبصفة أصلية أن المنازعات المنظورة إمام دوائر القضاء الإدارية في ليبيا يتطلب تحليل يكون جامعاً بين القواعد الإجرائية في للائحة العقود رقم 563 لسنة 2007م, وبين المرونة التقنية التي جاء بها القانون رقم 6 لسنة2022م بشأن المعاملات الالكترونية, ومن الناحية القضائية يمكن عرض أو سرد النقاط المتعلقة بإبرام العقد الإداري ومنها:- 1- الطبيعة القانونية للعقد الإداري وإثباته في البيئة الرقمية: يعتبر العقد إداريا من الناحية القضائية وفق صدور قرار الترسية المتعلق بتلاقي إدارة الإطراف حتى قبل التوقيع علي وثيقة العقد في أغلب الأحيان, وعلي عكس في قانون المعاملات الالكترونية الإثبات لا يقتصر علي الورق المادي بل يشمل الدليل الرقمي كحجية ثبوتية حيث جاءت حجية المحرر الالكتروني في المادة 6 من القانون رقم لسنة 2022م إذ يمنح القانون المحررات الالكترونية الحجية المقررة للمحررات الرسمية والعرفية ذاتها للعقود التقليدية توفر شروط التقنية منها النزاهة والارتباط بمكان المنعقد فيه العقد, وإمكانية الاسترجاع وهذا لا يكون لا في عقد التراضي, أي بعد البريد الالكتروني والرسائل المتبادلة بين المنصات الحكومية سوي داخلية أو دولية تعد حجية قانونية بينة أمام دوائر القضاء الإداري يعتد بالإثبات قيام العقد, بينما يأتي التوقيع الالكتروني بديل التوقيع البشري (اليدوي)جاء تنصيصه بالمادة (11) الذي يعتد بالتوقيع الالكتروني أمام القضاء إذا قدم صاحب الشأن أي كان إدارة أو فرد توقيعه الالكتروني مستوفي للشروط, وبالتالي عبء الإثبات وعدم صحته يقع علي الطرف المتخاذل عن إتمامه هذا يرتب عنه تغيير أسترايجية الإثبات التقليدي إلي الرقمي. 2-الربط الإجرائي بين اللائحة 563 فسنة 2007م والقانون 6 لسنة 2022م فاللائحة تركز علي الإجراءات الشكلية كإعلان عن المناقصة وفتح مضار يف الترسية وغير ذلك فالتخليل القانوني جاء تركيزه علي إثبات صحة الإجراء وليس فقط صحة الورقة ويكون ذلك من خلال
ومن الجدير بالذكر أن التجربة الليبية في تنظيم العقود الإدارية الإلكترونية لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الدولي, إذ أن العديد من الدول العربية والأوروبية قد سبقت في إصدار تشريعات متعلقة بالتحول الرقمي, منها القانون الفرنسي بشأن التعاقدات الإلكترونية الذي اعتمد علي مبدأ المساواة بين المحررات الورقية والرقمية,وكذلك التجربة المصرية من خلال تشريعها الذي منح التوقيع الرقمي حجية قانونية كاملة منذ بداية الألفية, من خلال ذلك تبرز أن ليبيا برغم التأخر النسبي لا أنها تسير في الاتجاه الصحيح لإثبات مواءمة تشريعاتها مع المعايير الدولية, ولكن التحدي يكمن في تفعيل النصوص علي أرض الواقع ومدي ضمانة انسجامها مع اللائحة التنفيذية للعقود الإدارية, لحفظ المال العام ويحقق العدالة الرقمية المنتظرة, وفي نهاية المقالة القانونية قدمت وجهة النظر كمساهمة لتقديم بعض الحلول للمشرع الليبي والقضاء من خلال ذكرها في النقاط الآتية: _ الملائمة التشريعية (التوافق)، توجه بدعوة إلي إجراء تعديل جزئي علي للائحة للعقود الإدارية رقم 2007م بإضافة مادة تقرر الاعتداد بالوساطة الالكترونية في كافة مراحل التعاقد بدءاً من الإعلان وحتى التوقيع, تماشياً مع القواعد العامة التي جاء محدثة وفق قانون رقم 6 لسنة 2002م, وذلك لرفع أي ليس قد يواجه لجان العطاءات. _اعتماد الدليل الإجرائي الرقمي للعقود دعوة مجلس لوزراء الليبي بإصدار دليل استرشادي ينظم طريقة أجراء المناقصات الالكترونية, بدقة يحدد كيفية إثبات واقعة فتح المضار يف الالكترونية ليضمن عدم الطعن فيها فيها بالبطلان حال عدم مراعاة لشكلية العرفية. _العمل علي تفعيل سلطة التصديق في التعاقد الحكومي هذا بدوره يتطلب الإسراع في قدرة الهيئة الوطنية لأمن وسلامة المعلومات أو أي جهة مختصة قانوناً بمنح شهادات التوقيع الرقمي كونه خصص لحماية موظفي الإدارة العامة الليبية للمخول بإبرام العقود, هذا يعطي القوة الثبوتية إمام الدوائر القضاء الإداري. _ رفع من كفاءة وتطوير الخبرة القضائية من خلال توصية المجلس الأعلى للقضاء بإنشاء دوائر مختصة وعمل دورات تأصيل خبراء قضائيين لثبات الأدلة الرقمية لتمكين القاضي الإداري في التحقق من صحة العقود الابتدائية الالكترونية عند حدود نزاع. _ كما يتطلب إلزام بناء قاعدة للأرشفة الالكترونية للعقود داخل أطار المؤسسات الإدارية الليبية بإنشاء أرشيف رقمي للتأمين العقود الإدارية الرقمية وما يترتب عليها من بيانات آخري, مع وضع مدة معينة لحفظ سجلات تتبع الرقمية التي تثبت مراحل تكون الرضا التعاقدي أثناء إبرام العقد وتوفر شروطه. _ يتطلب أيضا توجيه المحاكم الإدارية الليبية إلقاء النظر للدراسة ووضع تفسير واسع لمفهوم التوقيع الكتابة الوارد باللائحة 2007م لكي يشمل المحررات الالكترونية الواردة في القانون رقم 6 لسنة 2022م وتحتمي بحمايته القانونية, وربما سبب هذا التوجيه هو ما يمنع أي إخلال أو تعطيل يلحق بمصالح العامة- بحجة جمود النصوص وكونها لا تتناسب مع هذا العقد, وهذا كله يتطلب إرادة تشريعية وقانونية وقضائية لتدرك أن روح القانون دائماً تسبق الجمود السائد في نصوصه وفقراته الواردة به. ربما الإشكالية تتمحور حول مدي أمكانية تحريك وتطوير الإحكام الإجرائية الجامدة الصادرة باللائحة العقود الإدارية الليبية لقدرة استيعابها لمفاهيم التعاقد الرقمي المستجد كنوع من أنواع الذكاء الاصطناعي التي جاءت في مضمون قانون المعاملات الإلكترونية دون الإخلال بالمبادئ المشروعية الإدارية الصادرة لحماية المال العام؟ ولربما ترد بخصوص هذه الإشكالية كسؤال يتفرع فيها علي سبيل الحصر باستخدام التعامل الرقمي منها -ما هي القوي القانونية للتوقيع الإلكتروني إمام لجان العطاءات المركزية والفرعية في ليبيا المتمثلة في فتح المضار يف والترسية من خلال المنصات الرقمية؟ -ما مدي قدرة استيعاب العقد الإداري الرقمي دون التعدي علي مبدأ المشروعية المتعلق بضمانات حماية المال العام لكون التكييف لهذا النوع من العقود تتجاوز تغيير الوسيلة للعمل بشاشات الرقمية لتطال جوهر رضا التعاقد واثبات الحجية إمام القضاء الإداري؟ تأسيساً علي ما تقدم نري أن إبرام العقد الإداري عبر الوسيط الالكتروني لا يعد خروجاً عن المبادئ التي تتضمنها للائحة العقود 2007, مع الاعتراف بمدي صحة العقد, يتجلي ذلك بوضوح العمل بمقتضيات القانون الخاص بالمعاملات الالكترونية لسنة2022م,الأمر الذي يسعي بصداه القضاء الإداري الاعتراف بحجية التوقيع الرقمي وبشكل مطلق دون أي تقييد. كما ُأشيدُ بأن هذه المواضيع تعتبر محل دراسة علمية وبحثية يبرز من خلالها عدة إشكاليات تطرح من قبلها الأسئلة الفرعية التي تبني عليها الفرضيات والنتائج, لاسيما لبعض الحلول لمعرفة الكيفية المشروعة لتطبيق القانون الرقمي لمواكبة العصر التكنولوجي, الذي أثار ثورة تقنية لجميع التخصصات دون إقصاء.